[1]اَلْبَابُ السَّادِسُ
[2]فِي لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ
[3]وَهَذِهِ الْكَلِمَةُ الطَّيِّبَةُ الْمُبَارَكَةُ خَامِسَةٌ مِنَ الْخَمْسِ الْبَاقِيَاتِ الصَّالِحَاتِ الْمَشْهُورَاتِ الَّتِي هِيَ: « سُبْحَانَ اللهِ، وَالْحَمْدُ لِلهِ ، وَلَٓا إِلٰهَ إِلَّا اللهُ، وَاللهُ أَكْبَرُ، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ »
[4]﷽
[5]إِلٰهِي وَسَيِّدِي وَمَالِكِي!
[6]لِي فَقْرٌ بِلَا نِهايَةٍ، مَعَ أَنَّ حَاجَاتِي وَمَطَالِبِي لَا تُعَدُّ وَلَا تُحْصَى، وَتَقْصُرُ يَدِي عَنْ أَدْنَى مَطَالِبِي. فَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِكَ يَا رَبِّيَ الرَّحِيمَ! وَيَا خَالِقِيَ الكَرِيمَ! يَا حَسِيبُ يَا وَكِيلُ يَا كَافِي.
[7]إِلٰهِي! اخْتِيَارِي كَشَعْرَةٍ ضَعِيفَةٍ، وَآمَالِي لَا تُحْصَى. فَأَعْجَزُ دَائِمًا عَمَّا لَا أَسْتَغْنِي عَنْهُ أَبَدًا. فَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِكَ يَا غَنِيُّ يَا كَرِيمُ يَا كَفِيلُ يَا وَكِيلُ يَا حَسِيبُ يَا كَافِي.
[8]إِلٰهِي وَسَيِّدِي وَمَالِكِي!
[9]اقْتِدَارِي كَذَرَّةٍ ضَعِيفَةٍ، مَعَ أَنَّ الْأَعْدَاءَ وَالْعِلَلَ وَالْأَوْهَامَ وَالْأَهْوَالَ وَالْآلَامَ وَالْأَسْقَامَ وَالظُّلُمَاتِ وَالضَّلَالَ وَالْأَسْفَارَ الطِّوَالَ مَا لَا تُحْصَى. فَلَا حَوْلَ عَنْهَا، وَلَا قُوَّةَ عَلَى مُقَابَلَتِهَا إِلَّا بِكَ يَا قَوِيُّ يَا قَدِيرُ يَا قَرِيبُ يَا مُجِيبُ يَا حَفِيظُ يَا وَكِيلُ.
[10]إِلٰهِي! حَيَاتِي كَشُعْلَةٍ تَنْطَفِئُ كَأَمْثَالِي. وَآمَالِي لَا تُحْصَى. فَلَا حَوْلَ عَنْ طَلَبِ تِلْكَ الْآمَالِ، وَلَا قُوَّةَ عَلَى تَحصِيلِهَا إِلَّا بِكَ يَا حَيُّ يَا قَيُّومُ يَا حَسِيبُ يَا كَافِي يَا وَكِيلُ يَا وَافِي.
[11]إِلٰهِي! عُمْرِي كَدَقِيقَةٍ تَنْقَضِي كَأَقْرَانِي؛ مَعَ أَنَّ مَقَاصِدِي وَمَطَالِبِي لَا تُعَدُّ وَلَا تُحْصَى. فَلَا حَوْلَ عَنْهَا وَلَا قُوَّةَ عَلَيْهَا إِلَّا بِكَ يَا أَزَلِيُّ يَا أَبَدِيُّ يَا حَسِيبُ يَا كَافِي يَا وَكِيلُ يَا وَافِي.
[12]إِلٰهِي! شُعُورِي كَلَمْعَةٍ تَزُولُ؛ مَعَ أَنَّ مَا يَلْزَمُ مُحَافَظَتُهُ مِنْ أَنْوَارِ مَعْرِفَتِكَ، وَمَا يَلْزَمُ التَّحَفُّظُ مِنْهُ مِنَ الظُّلُمَاتِ وَالضَّلَالَاتِ لَا تُعَدُّ وَلَا تُحْصَى. فَلَا حَوْلَ عَنْ تِلْكَ الظُّلُمَاتِ وَالضَّلَالَاتِ وَلَا قُوَّةَ عَلَى هَاتِيكَ الْأَنْوَارِ وَالْهِدَايَاتِ إِلَّا بِكَ يَا عَلِيمُ يَا خَبِيرُ يَا حَسِيبُ يَا كَافِي يَا حَفِيظُ يَا وَكِيلُ.
[13]إِلٰهِي! لِي نَفْسٌ هَلُوعٌ وَقَلْبٌ جَزُوعٌ وَصَبْرٌ ضَعِيفٌ وَجِسْمٌ نَحِيفٌ وَبَدَنٌ عَلِيلٌ ذَلِيلٌ، مَعَ أَنَّ الْمَحْمُولَ عَلَيَّ مِنَ الْأَحْمَالِ الْمَادِّيَّةِ وَالْمَعْنَوِيَّةِ ثَقِيلٌ ثَقِيلٌ. فَلَا حَوْلَ عَنْ تِلْكَ الْأَحْمَالِ وَلَا قُوَّةَ عَلَى حَمْلِهَا إِلَّا بِكَ يَا رَبِّيَ الرَّحِيمَ يَا خَالِقِيَ الْكَرِيمَ يَا حَسِيبُ يَا كَافِي يَا وَكِيلُ يَا وَافِي.
[14]إِلٰهِي! لِي مِنَ الزَّمَانِ آنٌ يَسِيلُ فِي سَيْلٍ وَاسِعٍ سَرِيعِ الْجَرَيَانِ؛ وَلِي مِنَ الْمَكَانِ مِقْدَارُ القَبْرِ مَعَ عَلَاقَتِي بِسَائِرِ الْأَمْكِنَةِ وَالْأَزْمِنَةِ. فَلَا حَوْلَ عَنِ الْعَلَاقَةِ بِهَا، وَلَا قُوَّةَ عَلَى الْوُصُولِ إِلَى مَا فِيهَا إِلَّا بِكَ يَا رَبَّ الْأَمْكِنَةِ وَالْأَكْوَانِ، وَيَا رَبَّ الدُّهُورِ وَالْأَزْمَانِ يَا حَسِيبُ يَا كَافِي يَا كَفِيلُ يَا وَافِي.
[15]إِلٰهِي! لِي عَجْزٌ بِلَا نِهَايَةٍ وَضَعْفٌ بِلَا غَايَةٍ، مَعَ أَنَّ أَعْدَائِي وَمَا يُؤْلِمُنِي وَمَا أَخَافُ مِنهُ وَمَا يُهَدِّدُنِي مِنَ الْبَلَايَا وَالْآفَاتِ مَا لَا تُحْصَى. فَلَا حَوْلَ عَنْ هَجَمَاتِهَا وَلَا قُوَّةَ عَلَى دَفْعِهَا إِلَّا بِكَ يَا قَوِيُّ يَا قَدِيرُ يَا قَرِيبُ يَا رَقِيبُ يَا كَفِيلُ يَا وَكِيلُ يَا حَفِيظُ يَا كَافِي.
[16]إِلٰهِي! لِي فَقْرٌ بِلَا غَايَةٍ وَفَاقَةٌ بِلَا نِهَايَةٍ؛ مَعَ أَنَّ حَاجَاتِي وَمَطَالِبِي وَوَظَائِفِي مَا لَا تُحْصَى. فَلَا حَوْلَ عَنْهَا وَلَا قُوَّةَ عَلَيْهَا إِلَّا بِكَ يَا غَنِيُّ يَا كَرِيمُ يَا مُغْنِي يَا رَحِيمُ.
[17]إِلٰهِي! تَبَرَّأْتُ إِلَيْكَ مِنْ حَوْلِي وَقُوَّتِي، وَالْتَجَأْتُ إِلَى حَوْلِكَ وَقُوَّتِكَ فَلَا تَكِلْنِي إِلَى حَوْلِي وَقُوَّتِي. وَارْحَمْ عَجْزِي وَضَعْفِي وَفَقْرِي وَفَاقَتِي. فَقَدْ ضَاقَ صَدْرِي، وَضَاعَ عُمْرِي، وَفَنِيَ صَبْرِي، وَتَاهَ فِكْرِي، وَأَنْتَ الْعَالِمُ بِسِرِّي وَجَهْرِي، وَأَنْتَ الْمَالِكُ لِنَفْعِي وَضَرِّي، وَأَنْتَ الْقَادِرُ عَلَى تَفْرِيجِ كَرْبِي وَتَيْسِيرِ عُسْرِي. فَفَرِّجْ كُلَّ كُرْبَتِي وَيَسِّرْ عَلَيَّ وَعَلَى إِخْوَانِي كُلَّ عَسِيرٍ.
[18]إِلٰهِي! لَا حَوْلَ عَنِ الزَّمَانِ الْآتِي، وَعَنْ أَهْوَالِهِ مَعَ سَوْقٍ إِلَيْهِ؛ وَلَا قُوَّةَ عَلَى الْمَاضِي وَلَذَائِذِهِ مَعَ عَلَاقَةٍ بِهِ إِلَّا بِكَ يَا أَزَلِيُّ يَا أَبَدِيُّ.
[19]إِلٰهِي! لَا حَوْلَ عَنِ الزَّوَالِ الَّذِي أَخَافُ وَلَا أَخْلَصُ مِنهُ؛ وَلَا قُوَّةَ عَلَى إِعَادَةِ مَا فَاتَ مِنْ حَيَاتِي الَّتِي أَتَحَسَّرُهَا، وَلَا أَصِلُ إِلَيْهَا إِلَّا بِكَ يَا سَرْمَدِيُّ يَا بِاقِي.
[20]إِلٰهِي! لَا حَوْلَ عَنْ ظُلْمَةِ الْعَدَمِ؛ وَلَا قُوَّةَ عَلَى نُورِ الْوُجُودِ إِلَّا بِكَ يَا مُوجِدُ يَا مَوْجُودُ يَا قَدِيمُ.
[21]إِلٰهِي! لَا حَوْلَ عَنِ الْمَضَارِّ اللَّاحِقَةِ بِالْحَيَاةِ؛ وَلَا قُوَّةَ عَلَى الْمَسَارِّ اللَّازِمَةِ لِلْحَيَاةِ إِلَّا بِكَ يَا مُدَبِّرُ يَا حَكِيمُ.
[22]إِلٰهِي! لَا حَوْلَ عَنِ الْآلَامِ الْهَاجِمَةِ عَلَى ذِي الشُّعُورِ؛ وَلَا قُوَّةَ عَلَى اللَّذَائِذِ الْمَطْلُوبَةِ لِذِي الْحِسِّ إِلَّا بِكَ يَا مُرَبِّي يَا كَرِيمُ.
[23]إِلٰهِي! لَا حَوْلَ عَنِ الْمَسَاوِي الْعَارِضَةِ لِذَوِي الْعُقُولِ؛ وَلَا قُوَّةَ عَلَى الْمَحَاسِنِ الْمُزَيِّنَةِ لِذَوِي الْهِمَمِ إِلَّا بِكَ يَا مُحْسِنُ يَا كَرِيمُ.
[24]إِلٰهِي! لَا حَوْلَ عَنِ النِّقَمِ لِأَهْلِ الْعِصْيَانِ؛ وَلَا قُوَّةَ عَلَى النِّعَمِ لِأَهْلِ الطَّاعَاتِ إِلَّا بِكَ يَا غَفُورُ يَا مُنْعِمُ.
[25]إِلٰهِي! لَا حَوْلَ عَنِ الْأَحْزَانِ؛ وَلَا قُوَّةَ عَلَى الْأَفْرَاحِ إِلَّا بِكَ. فَإِنَّكَ أَنْتَ الَّذِي أَضْحَكَ وَأَبْكَى يَا جَمِيلُ يَا جَلِيلُ.
[26]إِلٰهِي! لَا حَوْلَ عَنِ الْعِلَلِ، وَلَا قُوَّةَ عَلَى الْعَافِيَةِ إِلَّا بِكَ يَا شَافِي يَا مُعَافِي.
[27]إِلٰهِي! لَا حَوْلَ عَنِ الْآلَامِ؛ وَلَا قُوَّةَ عَلَى الْآمَالِ إِلَّا بِكَ يَا مُنْجِي يَا مُغِيثُ.
[28]إِلٰهِي! لَا حَوْلَ عَنِ الظُّلُمَاتِ؛ وَلَا قُوَّةَ عَلَى الْأَنْوَارِ إِلَّا بِكَ يَا نُورُ يَا هَادِي.
[29]إِلٰهِي لَا حَوْلَ عَنِ الشُّرُورِ مُطْلَقًا؛ وَلَا قُوَّةَ عَلَى الْخَيْرَاتِ أَصْلًا إِلَّا بِكَ يَا مَنْ بِيَدِهِ الْخَيْرُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، وَبِعِبَادِهِ بَصِيرٌ، وَبِحَوَائِجِ مَخْلُوقَاتِهِ خَبِيرٌ.
[30]إِلٰهِي! لَا حَوْلَ عَنِ الْمَعَاصِي إِلَّا بِعِصْمَتِكَ؛ وَلَا قُوَّةَ عَلَى الطَّاعَةِ إِلَّا بِتَوْفِيقِكَ يَا مُوَفِّقُ يَا مُعِينُ.
[31]إِلٰهِي! لِي عَلَاقَاتٌ شَدِيدَةٌ مَعَ نَوْعِيَ الْإِنْسَانِيِّ وَجِنْسِيَ الْحَيَوَانِيِّ، مَعَ أَنَّ آيَةَكُلُّ نَفْسٍ ذَٓائِقَةُ الْمَوْتِتُهَدِّدُنِي وَتُطْفِئُ آمَالِي الْمُتَعَلِّقَةَ بِنَوْعِي وَجِنْسِي، وَتَنْعِي عَلَيَّ بِمَوْتِهِمَا. فَلَا حَوْلَ عَنْ ذَاكَ الْحُزْنِ الْأَلِيمِ النَّاشِئِ مِنْ ذٰلِكَ الْمَوْتِ وَالنَّعْيِ، وَلَا قُوَّةَ عَلَى تَسَلٍّ يَمْلَأُ مَحَلَّ مَازَالَ عَنْ قَلْبِي وَرُوحِي إِلَّا بِكَ. فَأَنْتَ الَّذِي تَكْفِي عَنْ كُلِّ شَيْءٍ، وَلَا يَكْفِي عَنْكَ كُلُّ شَيْءٍ.
[32]إِلٰهِي! لِي عَلَاقَاتٌ شَدِيدَةٌ مَعَ دُنيَايَ الَّتِي كَبَيْتِي وَمَنْزِلِي؛ مَعَ أَنَّ آيَةَكُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ ❋ وَ يَبْقٰى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلاَلِ وَالْاِكْرَامِتُعْلِنُ خَرَابِيَّةَ بَيْتِي هَذَا، وَزَوَالَ مَحْبُوبَاتِي اللَّاتِي سَاكَنْتُهُمْ فِي ذٰلِكَ الْبَيْتِ الْمُنْهَدِمِ؛ وَلَا حَوْلَ عَنْ هَذِهِ الْمُصِيبَةِ الْهَائِلَةِ، وَعَنِ الْفِرَاقَاتِ مِنَ الْأَحْبَابِ الْآفِلَةِ؛ وَلَا قُوَّةَ عَلَى مَا يُسَلِّينِي عَنْهَا، وَيَقُومُ مَقَامَهَا إِلَّا بِكَ يَا مَنْ يَقُومُ جِلْوَةٌ مِنْ تَجَلِّيَاتِ رَحْمَتِهِ مَقَامَ كُلِّ مَا فَارَقَنِي.
[33]إِلٰهِي! لِي عَلَاقَاتٌ بِجَامِعِيَّةِ مَاهِيَّتِي، وَغَايَةِ كَثْرَةِ جِهَازَاتِي الَّتِي أَنْعَمْتَهَا عَلَيَّ، وَاحْتِيَاجَاتٌ شَدِيدَةٌ إِلَى الْكَائِنَاتِ وَأَنْوَاعِهَا؛ مَعَ أَنَّ آيَةَكُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ اِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَ اِلَيْهِ تُرْجَعُونَتُهَدِّدُنِي وَتَقْطَعُ عَلَاقَاتِيَ الْكَثِيرَةَ مِنَ الْأَشْيَاءِ. وَبِانْقِطَاعِ كُلِّ عَلَاقَةٍ يَتَوَلَّدُ جَرْحٌ وَأَلَمٌ مَعْنَوِيٌّ فِي رُوحِي. وَلَا حَوْلَ عَنْ تِلْكَ الْجُرُوحَاتِ الْغَيْرِ الْمَحْدُودَةِ؛ وَلَا قُوَّةَ عَلَى أَدْوِيَتِهَا إِلَّا بِكَ يَا مَنْ يَكْفِي لِكُلِّ شَيْءٍ، وَلَا يَكْفِي عَنْ شَيْءٍ وَاحِدٍ مِنْ تَوَجُّهِ رَحْمَتِهِ كُلُّ الْأَشْيَاءِ، وَيَا مَنْ إِذَا كَانَ لِشَيْءٍ كَانَ لَهُ كُلُّ شَيْءٍ وَمَنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ لَا يَكُونُ لَهُ شَيْءٌ مِنَ الْأَشْيَاءِ.
[34]إِلٰهِي! لِي عَلَاقَاتٌ شَدِيدَةٌ وَابْتِلَاءٌ وَمَفْتُونِيَّةٌ مَعَ شَخْصِيَّتِي الْجِسْمَانِيَّةِ، حَتّٰى كَأَنَّ جِسْمِي عَمُودٌ فِي نَظَرِي الظَّاهِرِيِّ لِسَقْفِ جَمِيعِ آمَالِي وَمَطَالِبِي؛ وَفِيَّ عِشْقٌ شَدِيدٌ لِلْبَقَاءِ؛ مَعَ أَنَّ جِسْمِي لَيْسَ مِنْ حَدِيدٍ وَلَا حَجَرٍ لِيَدُومَ فِي الْجُمْلَةِ، بَلْ مِنْ لَحْمٍ وَدَمٍ وَعَظْمٍ عَلَى جَنَاحِ التَّفَرُّقِ فِي كُلِّ آنٍ؛ وَمَعَ أَنَّ حَيَاتِي كَجِسْمِي مَحْدُودَةُ الطَّرَفَيْنِ، سَتُخْتَمُ بِخَاتَمِ الْمَوْتِ عَنْ قَرِيبٍ؛
[35]مَعَ أَنِّي قَدِ اشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا مِنِّي، وَقَدْ ضَرَبَ السَّقَمُ ظَهْرِي وَصَدْرِي، فَأَنَا فِي قَلَقٍ وَضَجَرٍ وَاضْطِرَابٍ وَتَأَلُّمٍ وَتَحَزُّنٍ شَدِيدٍ مِنْ هَذِهِ الْكَيْفِيَّةِ. فَلَا حَوْلَ عَنْ هَذِهِ الْحَالَةِ الْهَائِلَةِ؛ وَلَا قُوَّةَ عَلَى مَا يُسَلِّينِي عَمَّا يَحْزُنُنِي، وَعَلَى مَا يُعَوِّضُنِي مَا يَضِيعُ مِنِّي، وَعَلَى مَا يَقُومُ مَقَامَ مَا يَفُوتُ مِنِّي إِلَّا بِكَ يَا رَبِّيَ الْبَاقِي، وَالْبَاقِي بِبَقَائِهِ وَإِبْقَائِهِ مَنْ تَمَسَّكَ بِاسْمٍ مِنْ أَسْمَائِهِ الْبَاقِيَةِ.
[36]إِلٰهِي! لِي وَلِكُلِّ ذِي حَيَاةٍ خَوْفٌ شَدِيدٌ مِنَ الْمَوْتِ وَالزَّوَالِ اللَّذَيْنِ لَا مَفَرَّ مِنهُمَا؛ وَلِي مَحَبَّةٌ شَدِيدَةٌ لِلْحَيَاةِ وَالْعُمْرِ اللَّذَيْنِ لَا دَوَامَ لَهُمَا؛ مَعَ أَنَّ تَسَارُعَ الْمَوْتِ إِلَى أَجْسَامِنَا بِهُجُومِ الْآجَالِ لَا يُبْقِي لِي وَلَا لِأَحَدٍ أَمَلًا مِنَ الْآمَالِ الدُّنْيَوِيَّةِ إِلَّا وَيَقْطَعُهَا، وَلَا لَذَّةً إِلَّا وَيَهْدِمُهَا. فَلَا حَوْلَ عَنْ تِلْكَ الْبَلِيَّةِ الْهَائِلَةِ وَلَا قُوَّةَ عَلَى مَا يُسَلِّينَا عَنْهَا إِلَّا بِكَ يَا خَالِقَ الْمَوْتِ وَالْحَيَاةِ! وَيَا مَنْ لَهُ الْحَيَاةُ السَّرْمَدِيَّةُ، الَّذِي مَنْ تَمَسَّكَ بِهِ وَتَوجَّهَ إِلَيْهِ وَيَعْرِفُهُ وَيُحِبُّهُ؛ تَدُومُ حَيَاتُهُ وَيَكُونُ الْمَوْتُ لَهُ تَجَدُّدَ حَيَاةٍ وَتَبْدِيلَ مَكَانٍ. فَإِذًا فَلَا حُزْنَ لَهُ وَلَا أَلَمَ عَلَيْهِ بِسِرِّاَلاَ اِنَّ اَوْلِيَاءَ اللّٰهِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَ لاَ هُمْ يَحْزَنُونَ
[37]إِلٰهِي! لِي لِأَجْلِ نَوْعِي وَجِنْسِي عَلَاقَاتٌ بِتَأَلُّمَاتٍ وَتَمَنِّيَاتٍ بِالسَّمٰوَاتِ وَالْأَرْضِ وَبِأَحْوَالِهَا. فَلَا قُوَّةَ لِي بِوَجْهٍ مِنَ الْوُجُوهِ عَلَى إِسْمَاعِ أَمْرِي لَهُمَا، وَتَبْلِيغِ أَمَلِي لِتِلْكَ الْأَجْرَامِ، وَلَا حَوْلَ عَنْ هَذَا الِابْتِلَاءِ وَالْعَلَاقَةِ إِلَّا بِكَ يَا رَبَّ السَّمٰوَاتِ وَالْأَرْضِ! وَيَا مَنْ سَخَّرَهُمَا لِعِبَادِهِ الصَّالِحِينَ.
[38]إِلٰهِي! لِي وَلِكُلِّ ذِي عَقْلٍ عَلَاقَاتٌ مَعَ الْأَزْمِنَةِ الْمَاضِيَةِ وَالْأَوْقَاتِ الِاسْتِقْبَالِيَّةِ؛ مَعَ أَنَّنَا قَدِ انْحَبَسْنَا فِي زَمَانٍ حَاضِرٍ ضَيِّقٍ لَا تَصِلُ أَيْدِينَا إِلَى أَدْنَى زَمَانٍ مَاضٍ وَمُسْتَقْبَلٍ لِجَلْبٍ مِنْ ذَاكَ مَا يُفَرِّحُنَا، أَوْ لِدَفْعٍ مِنْ هَذَا مَا يُحْزِنُنَا. فَلَا حَوْلَ عَنْ هَذِهِ الْحَالَةِ، وَلَا قُوَّةَ عَلَى تَحْوِيلِهَا إِلَى أَحْسَنِ الْحَالِ إِلَّا بِكَ يَا رَبَّ الدُّهُورِ وَالْأَزْمَانِ.
[39]إِلٰهِي! لِي فِي فِطْرَتِي وَلِكُلِّ أَحَدٍ فِي فِطْرَتِهِمْ آمَالٌ أَبَدِيَّةٌ وَمَطَالِبُ سَرْمَدِيَّةٌ تَمْتَدُّ إِلَى أَبَدِ الْآبَادِ. إِذْ قَدْ أَوْدَعْتَ فِي فِطْرَتِنَا اسْتِعْدَادًا عَجِيبًا جَامِعًا، فِيهِ احْتِيَاجٌ وَمَحَبَّةٌ لَا يُشْبِعُهُمَا الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا، وَلَا يَرْضَى ذٰلِكَ الِاحْتِيَاجُ وَتِلْكَ الْمَحَبَّةُ إِلَّا بِالْجَنَّةِ الْبَاقِيَةِ؛ وَلَا يَطْمَئِنُّ ذٰلِكَ الِاسْتِعْدَادُ إِلَّا بِدَارِ السَّعَادَةِ الْأَبَدِيَّةِ. يَا رَبَّ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَيَا رَبَّ الْجَنَّةِ وَدَارِ الْقَرَارِ.